“بيغ بوسا” لوجيهة الجندوبي: كوميديا سوداء تعري الواقع السياسي وتفضح الوزراء .. في قرطاج

لئن قال ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة :” الحب ـ أعزك الله ـ أوله هزل وآخره جدّ”، فنحن نقول “المسرح ـ أعزك الله ـ أوله هزل وآخره جدّ” وهو ما ينطبق مع ما قدمته الممثلة وجيهة الجندوبي في “بيغ بوسا” على ركح المسرح الأثري بقرطاج مساء الاثنين 22 جويلية، مسرحية عرت من خلالها الجندوبي نصا واخراجا وتمثيلا الواقع السياسي وسخرت منه في كوميديا سوداء أضحكت الجمهور وأبكته في الآن ذاته .

ركح انتشرت فوقه مجسدات لهواتف جوالة.. رداء أسود وأداء للقسم .. وانطلقت القصة ، قصة ” جليلة” موظفة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تستفيق فجرا على رسالة نصية من رئيس الجمهورية يعلمها فيها أنه تم تنصيبها وزيرة، رسالة غير مختومة تدفع بجليلة المنحدرة من عائلة متوسطة الى وضع خطط وبرامج تهدف بالأساس الى تغيير نمط حياتها والخروج من الروتينية الى عالم البرجوازية.
ساعة ونصف غنت فيها وجيهة الجندوبي ورقصت ونطت ومازحت الجمهور وشاكست الوجوه السياسية التي سجلت حضورها في هذا العرض، ليكون حضورها الركحي نقطة مضيئة في عملها المسرحي الجديد، ومن النقاط المضيئة الأخرى في هذا العمل هي حسن توظيف المؤثرات الصوتية والضوئية اضافة الى اعتماد الجندوبي على شاشة خلفية عملاقة عرضت فيها بعض مقاطع الفيديو التي تتماشى وفحوى نصها .

لنأتي الى المضمون الذي راوحت فيه “البيغ بوسا” وجيهة الجندوبي بذكاء شديد بين الاجتماعي والسياسي فانتقدت انتهازية رجال السياسة وجشعهم واستغلالهم لمناصبهم، وتحدثت عن المحسوبية والولاءات والتوظيف دون كفاءات وكيفية ادارة الوزارات، وانسداد الأفق أمام أصحاب الشهائد العليا ، كما سخرت من بعض الظواهر الاجتماعية كانتشار الأوساخ وسلوك المواطن غير المتحضر، و تطرقت بطريقة هزلية الى مؤسسة الزواج وانتشار ظاهرة الطلاق، ونقلت صورة كاريكاتورية عن أفراحنا ومآتمنا، ولم يفوتها التعريج على الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وانتقاد الجمعيات الخيرية والحقوقية التي يستغل بعضها تعاطف الناس لتحقيق مآرب شخصية .

وفي رحلة تخلص “جليلة” من حياتها القديمة استعدادا لمنصبها الجديد، تنقد وجيهة الجندوبي أداء الحكومة ومجلس النواب وبطبيعة الحال يحضر رئيس الجمهورية الذي لم يسلم هو الآخر من تهكم الجندوبي. وبطريقة فيها من السخرية الكثير تكشف الجندوبي عن الفرق الشاسع بين حياة الطبقات المتوسطة والفقيرة وحياة أعيان البلاد وسياسييها، لتبرهن أن اهتمامات رجل السياسة بعيدة كل البعد عن متطلبات شعبه.

وبجرأة كبيرة تتطرق وجيهة الى الحياة الجنسية بين الأزواج وجسد المرأة، الى عادات وتقاليد تكبل المجتمع، وتجعله غير متصالح مع ذاته .
شخصيات متعددة وأحداث مستوحاة من واقعنا، حاولت من خلالها وجيهة الجندوبي توجيه عديد الرسائل المشفرة لا فقط الى رجال السياسة والطبقة الحاكمة بل أيضا الى الشعب التونسي الذي تناسى شعارات كان قد رفعها ذات 14 جانفي 2011، شعارات وهتافات رفعتها الجندوبي في مسرحيتها لتؤكد أن المطالب لم تتحق بعد ولتذكر الحكومة والنواب أن شعار “ديغاج” وان اختفى فانه لم يندثر بعد .
“البلاد تحب شكون يحبها” بهذه الجملة وما تتضمنه من رسائل ومعاني وعلى أنغام “يا أم السواعد سمر” للفنان صلاح مصباح أسدلت وجيهة الجندوبي الستار على مسرحية “بيغ بوسا” دون أن تحدثنا عن مصير “جليلة” لتترك لنا مجال اختيار النهاية نهاية كل رجل سياسة جشع وانتهازي فاما محاسبته وقطع الطريق أمامه أو تمكينه بصمتنا من تحقيق مآربه ومخططاته .

سناء الماجري
المصدر : الجمهورية