في حوار خاص: حسين الديماسي يتحدّث عن “مصيبة” الانتخابات التشريعة والنهضة وحكومة الشاهد وعن “الهزال المزمن” لاقتصادنا وأسبابه

في حوار خاص أدلى به لموقع أخبار الجمهورية تحدّث الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق حسين الديماسي عن مسائل متعلّقة باقتصادنا الوطني وما يعاني منه من هزال مزمن وفق توصيفه فضلا عن تطرقه لمواضيع سياسية من بينها موقفه من حكومة الشاهد التي اعتبر أنها بالغت في الأشهر السابقة في أخذ الإجراءات الشعبوية المهلكة بهدف الفوز في الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

كما وجّه محدّثنا أسهم نقده لحركة النهضة مصرّحا أنّها كانت طيلة العشرية الماضية الطرف الأساسي وراء الخراب الذي أصاب البلاد على جميع المستويات، وعن موقفه من الانتخابات التشريعية اعتبر أنها بمثابة “مصيبة” على البلاد مقدّما أسباب ذلك..

وعن مشاركته حسين الديماسي في حكومة الترويكا وعن التوافق السياسي بين النداء والنهضة وموقفه من مسائل أخرى اقتصادية وسياسية، تجدون كل الأجوبة في هذا الحوار الذي ننقله لكم تباعا…

– منذ سنوات حذّرتم من الخيارات الاقتصادية التي انتهجتها سياسة “الترويكا”، فهل أصبحت اليوم الوضعية الاقتصادية أسوء ولماذا؟

كانت ولا زالت حالة اقتصادنا سيئة للغاية ذلك أن محركات النمو الثلاثة أصبحت كلها معطلة، فالاستهلاك الداخلي تراجع بشكل كبير نتيجة سياسات الأجور الخاطئة التي أدت إلى انهيار الدينار واحتداد ظاهرة التضخم أي التهاب الأسعار.

وقد ازداد الطين بلة مع تفشي وباء المضاربة والاحتكار الذي لم يجد له رادعا أما الصادرات فقد تقلصت بقدر مزعج لا فقط بسبب الهبوط الحاد الذي أصاب صادراتنا من النفط الخام وإنما أيضا بسبب تلاشي طاقتنا التنافسية على الأسواق الخارجية رغم انهيار الدينار .

والحقيقة أننا عشنا منذ الانتفاضة ارتفاعا حادا في كلفة إنتاجنا واكبه تراجع محسوس في الإنتاجية. وأما الاستثمار فقد أصابه الركود بل التراجع في بعض الأحيان بسبب عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الاجتماعية وفقدان بلادنا لميزاتها التفاضلية كالمستويات المغرية في الأجور والأسعار ونسب الفائدة.

وتبعا لذلك كله بقي نسق نمو اقتصادنا ضعيفا للغاية لا يفوق في مجمله إلا بقليل 1% . أما نسق نمو النشاطات الاقتصادية الخالقة حقيقة للثروة فقد أصبح معدوما منذ سنوات طويلة وهو ما يفسر آخر الأمر الهزال المزمن الذي أصبح يعاني منه اقتصادنا.

– ماهي انتقاداتكم للسياسة الاقتصادية لحكومة يوسف الشاهد؟

حكومة يوسف الشاهد مارست نفس الأخطاء الاقتصادية والمالية التي ارتكبتها الحكومات السابقة منذ الانتفاضة بل إن هذه الحكومة بالغت في الأشهر السابقة في أخذ الإجراءات الشعبوية المهلكة بغية الفوز في الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

و أكثر ما يعاب على حكومة الشاهد حسب تقديري عدم القيام بأي إصلاح هيكلي لاقتصادنا و ذلك رغم الشوشرة الإعلامية التي أصم بها أذاننا.

– صرّحت حركة النهضة منذ أيام (في إطار حملتها الانتخابية) أنها لا تتحمّل مسؤولية فشل الوضع العام للبلاد ومن بينه الوضع الاقتصادي رغم مشاركتها في الحكم، فماهو رأيكم؟

مما لا شك فيه أن النهضة كانت طيلة العشرية الماضية الطرف الأساسي وراء الخراب الذي أصاب البلاد على جميع المستويات. والمؤلم أن النهضة فعلت ذلك بتواطؤ لا فقط مع أطراف خارجية وإنما أيضا مع جل القوى السياسية والنقابية المتواجدة على الساحة الداخلية, وقد كان ذلك أما بالصمت أو الحث آو بالتأييد.

– هل أنّ سياسة التوافق مع النهضة تسببت في المشاكل التي تعاني منها بلادنا؟

التوافق… آه من هذا المرهم المغشوش الذي أحدث ضبابية ساهمت بقدر كبير في استفحال أمراضنا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.

– كيف تقيّمون ضغط الاتحاد العام التونسي للشغل على الخيارات الاقتصادية الحكومية؟

سياسة اتحاد الشغل المطلبية المشطة أدخلت البلاد في دوامة جهنمية قوامها الزيادات اللامتناهية في الأجور والأسعار. و قد أرهق ذلك بشكل محسوس لا فقط ميزانية الدولة و الشركات العمومية وإنما أيضا مجمل الاقتصاد بما فيه خاصة الصادرات من سلع و خدمات.

– ماهو تقييمكم لتأثير المديونية على حاضر ومستقبل تونس؟

تفاقم الدين الخارجي بصورة مهولة خلال العشرية الماضية أصبح يمثل دملا في جسم اقتصادنا ذلك أن تسديد هذا الدين أصبح يمتص قدرا كبيرا من مدخراتنا من العملة الصعبة التي نلاقي مشقة عظمى في الحصول عليها.

ومن ناحية أخرى تصاعدت نفقات تسديد الدين الخارجي العمومي وذلك على حساب نفقات التنمية.

– ماهي مسؤولية منظمات النقد الدولية في الوضع الاقتصادي الحالي؟

ظاهريا أصبحت منظمات النقد الدولية تتدخل بحدة في شؤوننا، غير أن هذه الظاهرة لم تكن لتتواجد لولا الأخطاء الاقتصادية والمالية التي ارتكبناها بأنفسنا. “و اللي جابتو ساقيه العصا ليه”.

– كيف تقيّمون الوضعية الانتخابية اليوم في تونس؟

الانتخابات التشريعية مصيبة لكونها تفرز حكومات شتات متفككة عاجزة تماما عن الإصلاح والانجاز. ويعود هذا الشلل الذي كانت ولا زالت تعاني منه حكومات ما بعد الانتفاضة إلى بؤس القانون الانتخابي الذي يعتمد النسبية والذي من شأنه أن يمن علينا من حين إلى آخر بحكومات فسيفسائية لا تغني ولا تسمن من جوع.

وفي واقع الأمر فان منظومتنا السياسية برمتها في حاجة أكيدة إلى إصلاح عميق يمس لا فقط الدستور والقوانين الانتخابية وإنما كل مؤسسات الدولة بما فيها الأحزاب النقابات.

– هل قيس سعيد أو نبيل القروي أو حركة النهضة قادرون على فضّ المشاكل الاقتصادية الحالية والمستقبلية لبلادنا؟

كما أشرنا إليه أعلاه مصير بلادنا المستقبلي لا يتعلق بأشخاص مهما كانت مشاربهم وإنما بمؤسسات و استراتجيات و سياسات.

– ماهو موقفك من انتشار ظاهرة الفساد ونفوذه إلى عالم السياسة والأعمال؟

ظاهرة تفشي الفساد بمختلف أنماطه ناتجة بالأساس عن ضعف الدولة. ويعود ضعف الدولة هذا بدوره إلى نظامنا السياسي العقيم الذي يفرز سلطات بدون حزم و إرادة.

– هنالك مخاوف جديّة وحقيقة بشأن الوضعية الكارثية لشركة فسفاط قفصة التي أصبح يخيّم عليها شبح الإفلاس، فمن يتحمّل المسؤولية وهل من حلول؟

الحالة البائسة التي عليها شركة فسفاط قفصة نتجت عن انهيار الإنتاج من ناحية وتصاعد النفقات العقيمة من ناحية أخرى. و تعتبر النقابات العمالية وحكومات الشتات أهم الأطراف المسببة في هذه الوضعية الكارثية لا فقط لشركة فسفاط قفصة وإنما أيضا لجل المؤسسات الاقتصادية العمومية.

– بكل صراحة هل ندمتم على المشاركة كوزير في المالية في حكومة التوافق رغم تقديم استقالتك، ولماذا؟

لم أندم أبدا على مشاركتي في حكومة الترويكا إذ مثلت بالنسبة لي تجربة ثرية على ممارسة الحكم والاطلاع عن كثب عما يدور في كواليس السياسة والسياسيين.

وقد انضممت إلى تلك الحكومة بنيّة التصدي إلى الزيغ الاقتصادي والمالي الذي ظهرت بوادره مع حكومة قائد السبسي. غير أنني سرعان ما اكتشفت أن تطلعاتي في واد ونوايا النهضة في واد آخر، حيث كانت هذه الأخيرة تعُدّ للاستفراد بالحكم عبر الوعود الوهمية المغشوشة والإجراءات الشعبوية الديماغوجية.

وقد استقلت من هذه الحكومة بسبب رفضي التّام لهذا التمشي الذي حشر ميزانية الدولة في أتون لا يطاق ما زلنا نعاني من تبعاته إلى اليوم.

– هل يقبل حسين الديماسي منصبا وزاريا إن عرض عليه في الحكومة القادمة؟

إذا كانت حكومة كفاءات صادقة يسودها العزم و الجرأة و حد أدنى من التناسق في السياسات فاني لا أرى مانعا في الانضمام إليها. وعكس ذلك فإني لن التحق مهما كان بكومة شتات لا سياسة ولا عزم لها في النظر إلى قضايانا “عين العاجز الشامت إلى أن يبلغ السيل الزبى”.

حاورته: منارة تليجاني
المصدر : الجمهورية