هذه شهادة أحد الناجين من الكارثة البحرية التي جدت قبالة صفاقس

اصطفت أسّرتهم داخل غرفة شاسعة المساحة، ندرك جيدا، كمتابعين او كصحافيين، انها شبية بمستودع ولكنها في أعينهم بمثابة “الجنة”. دخلوا الواحد تلو الاخر.. أغلبهم حفاة، بملابسهم التي تترجم تقريبا جنسياتهم رغم هوياتهم المختلفة ليتقاسموا هنا بمركز الايواء بجرجيس وجع وحرقة فراق أحبتهم.

نتحدث هنا عن 16 مهاجر غير نظامي انقذهم بحار تونسي من الموت قبالة سواحل صفاقس ظهر يوم الجمعة وسلمهم لجيش البحر الذي نقلهم على متن خافرته الى الميناء التجاري بجرجيس جنوب تونس.

جلس أحدهم على فراشه متربعا، لم يشأ الحديث إلينا مباشرة، فهو مازال تحت وقع الصدمة بعد أن فقد أخواه. أجبرتهم قسوة الحياة وربما ظلم حكامهم على مغادرة بلدانهم ليجدوا أنفسهم أمام جحيم الموت المقنن في ليبيا بعد سقوط حكم القذافي، فالميليشيات لا تعرف غير الاستغلال والاغتصاب وتجارة البشر والأعضاء كما روى جلّ من حملته الأقدار الى ولاية مدنين.

أجمع اغلب المهاجرين غير النظاميين ممن تحدث معهم موقع الجمهورية على أنّ المهربين يأخذون منهم الأموال مقابل تنظيم وصولهم الى ايطاليا الا أن حلمهم يتحطم في أعالي البحار كما هي حادثة الحال او كما سمتها المنظمات الحقوقية ب”الفاجعة”.

يقول أحدهم “غادرنا مدينة زوارة الليبية يوم 9 ماي، وفي عرض البحر اعترضتنا مجموعة أخرى فقامت بتحويلنا إلى مركب مطاطي صغير، كنا 75 شخصا من جنسيات افريقية مختلفة “سكت محدثنا الشاب للحظات وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ثم واصل “بعد 10 دقائق من الابحار على متن قارب مطاطي انقلب بنا ليغرق اكثر من النصف من بينهم شقيقاي الاول عمره 22 والثاني 26”.

لم ترحمهم الحياة وزادت البيروقراطية التونسية في ظلمهم..

المشهد صعب على شاب مازال تحت تأثير الصدمة، فقد غرق الكثيرون امامه ولم يستطع التحرك وبقي والناجون معه في عمق البحر لأكثر من 8 ساعات. لم ترحمهم الحياة وزادت البيروقراطية التونسية في ظلمهم..

لم يكن من السهل الوصول الى الناجيين بسبب رفض السلط الجهوية بولاية مدنين تسلمهم من جيش البحر، وهو ما اضطرهم للبقاء بالخافرة الى حين وصول الاذن بتسليمهم الى الهلال الأحمر بالجهة. ساعات من الانتظار انتهت بتحويل 4 ناجيين للعلاج بالمستشفى الجهوي بجرجيس والاذن بتحويل البقية الى مركز ايواء بطريق بن قردان تحت عناية الهلال الأحمر.

وقد وجّه منجي سليم رئيس الهيئة الجهوية للهلال الأحمر بمدنين -من خلال تصريح لموقع الجمهورية- دعوة إلى الولايات المجاورة للتحرك ومعاضدة مجهودات السلط في ظل احتضان الولاية لـ700 افريقيا وامتلاء كل مراكز الإيواء فضلا عن التوافد اليومي للمجتازين عبر الحدود البرية من بن قردان وتطاوين مما زاد الوضع تعقيدا.

واكد سليم انّ الهلال الأحمر التونسي سيتولى توفير الإحاطة النفسية والصحية اللازمة لهم علاوة على المتطلبات اليومية للاعاشة والاقامة الى حين احالة ملفاتهم بخصوص اعادة التوطين واللجوء او العودة الطوعية إلى بلدانهم.

ازمة الهجرة غير النظامية ترمي بظلالها على ولاية مدنين وسط غياب المنظمات الدولية أهمها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين المطالبة اليوم بمعية منظمة الهجرة الدولية بالتحرك بقوة لاجبار الدول الاوروبية على تقاسم الأعباء مع تونس التي تجدد رفضها أن تكون مركزا لتخييم المهاجرين وتصبح وجهة للاجئين.

المصدر : الجمهورية